القرطبي
117
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ( 59 ) قوله تعالى : ( يتوارى من القوم ) أي يختفي ويتغيب . ( من سوء ما بشر به ) أي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب البنت . ( أيمسكه ) ذكر الكناية لأنه مردود على " ما " . ( على هون ) أي هوان . وكذا قرأ عيسى الثقفي " على هوان " والهون الهوان بلغة قريش ، قاله اليزيدي وحكاه أبو عبيد عن الكسائي . وقال الفراء : هو القليل بلغة تميم . وقال الكسائي : هو البلاء والمشقة . وقالت الخنساء : نهين النفوس وهون النفوس * يوم الكريهة أبقى لها وقرأ الأعمش " أيمسكه على سوء " ذكره النحاس ، قال : وقرأ الجحدري " أم يدسها في التراب " يرده على قوله : " بالأنثى " ويلزمه أن يقرأ " أيمسكها ( 1 ) " . وقيل : يرجع الهوان إلى البنت ، أي أيمسكها وهي مهانة عنده . وقيل : يرجع إلى المولود له ، أيمسكه على رغم أنفه أم يدسه في التراب ، وهو ما كانوا يفعلونه من دفن البنت حية . قال قتادة : كان مضر وخزاعة يدفنون البنات أحياء ، وأشدهم في هذا تميم . زعموا خوف القهر عليهم وطمع غير الأكفاء فيهن . وكان صعصعة ابن ناجية عم الفرزدق إذا أحس بشئ من ذلك وجه إلى والد البنت إبلا يستحييها بذلك . فقال الفرزدق يفتخر : وعمى ( 2 ) الذي منع الوائدات * وأحيا الوئيد فلم يوأد وقيل : دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف ، كالمدسوس في التراب لاخفائه عن الابصار ، وهذا محتمل . مسألة - ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها ، فسألتني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة ، فأعطيتها إياها فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئا ، ثم قامت فخرجت وابنتاها ، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته ( 3 )
--> ( 1 ) قال محققة : في الشواذ أن الجحدري يقرأ كذلك . كأن المصنف لم يقف عليها . ( 2 ) الرواية : وجدى ، وأن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق كما في الاستيعاب . ( 3 ) في ج : فخبرته .